فصل: من فراسة عمر رضي الله عنه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: موارد الظمآن لدروس الزمان



.فصل في نماذج من الفِراسة:

.من فراسة عمر رضي الله عنه:

وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَهُ فِرَاسَةٌ مِنْ ذَلَكَ أَنَّهُ أُتيَ يَوماً بِفَتىً أمردٍ قد وُجِدَ قَتِيلاً مُلقىً على الأرضِ فسأل عُمَرُ عن أَمْرِهِ واجتهدِ فَلَمْ يَقِفْ لَهُ عَلَى خَبَرٍ فشقَّ ذلكَ عَليه.
فَقَالَ: اللهُمَّ أَظْفِرنيِ بقَاتله حَتَّى إذا كان علي رأس الحَوْل وُجِدَ صَبِيٌّ مولودٌ مُلقىً بِمَوْضَع القتيل فأتي به عُمَرُ فَقَالَ: ظَفرتُ بِدَم القَتيْل إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى فدفع الصبي إلى امرأة ترضعه وتقوم بشأنه، وقَالَ: خُذِي مِنا نفقتهُ وانْظُريْ من يَأُخُذُهُ مِنكِ فإذا وجدتِ امرأةً تُقَبِلُهُ وتضمهُ إلى صدرِهَا فأعلِمينيْ بِمَكَانهِا.
فلما شبَّ الصَّبيُّ جَاءتْ جَاريةٌ فَقَالتْ للمرأةِ: إنَّ سَيَّدَتي بَعَثتنيْ إليكَ لتَبعثي بالصَّبيّ لتراهُ وترُدُّهُ إليْكِ. قَالَتْ: نَعَمْ إذهبي بِه إليهَا وَأنا مَعَكِ فَذَهَبتْ بالصبيَّ والمرأةُ مَعَهُ حتَّى دَخَلَتْ علي سيَّدتِهَا فلمَّا رَأتْهُ أخَذَتْهُ فَقَبَّلتْهُ وَضَمَّتْهُ إليْهَا.
فإذَا هِيَ ابنةُ شَيخٍ منْ الأَنْصَارِ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم فأتت عُمَرَ فخبَّرَتهُ فاشتملَ عَلى سيفِهِ ثُمَّ أقبَلَ إلى منزل المرأة فوجد أباها متكئاً علي البابِ فقالَ: يا فُلانُ ما فَعَلتْ ابنتُكَ فُلَانَةُ؟ قَالَ: جَزَاهَا الله خَيراً يا أَمِيرَ المُؤمنينَ هِيَ مِنْ أَعْرَفِ النَّاس بحقَّ اللهِ وحَقَّ أبِيهَا مَعَ حُسْنِ صَلَاتِهَا وَصيَامِهَا وَالقِيَام بِدينِها.
فقالَ عُمرُ: قَدْ أحْببْتُ أن أَدْخُلَ إليْهَا فَأَزِيدَهَا رَغبةً في الخَير وأحُثَّهَا عَليهِ فَدَخَل أَبُوها وَدَخَلَ عُمَرُ معهُ فَأَمَر مَنْ عِنْدَهَا فخَرجَ وَبَقِيَ هُوَ وَالمرأةُ في البيْتِ فَكَشَفَ عُمَرُ عَن السَّيْفِ وَقَالَ لَتَصْدُقِيْني وإلاَّ ضربْتُ عُنُقَكِ وَكَانَ لا يَكْذِبُ.
فَقَالَتْ: على رِسْلِكَ فَوَاللهِ لأَصْدُقَنَّ، إنَّ عَجُوْزاً كَانَتْ تَدْخُلُ عَلَيَّ فاتَّخذَتْهُا أماً وَكَانَتْ تَقُومُ مِنْ أَمْرِيْ كَمَا تَقُومُ بِهِ الوَالِدَةُ وَكُنْتُ لَهَا بِمَنْزِلَةِ البِنْتِ فَمَضَي لِذَلِكَ حِيْنٌ ثمَّ إِنَّها قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ إنّهُ قَد عرضَ ليْ سَفَرٌ وَلِيْ ابْنَةٌ فِي مَوِضِعٍ أتخوفُ عَلَيْهَا فِيهِ أَنْ تضِيْعَ وَقَدْ أحْبَبْتُ أَنْ أَضُمَّهَا إلَيْكِ حَتَّي أرْجِعِ مِنْ سَفِرَيْ.
فَعَمَدَتْ إلى ابْنٍ لَهَا شَابٍ أمردٍ فَهَيَّئتْهُ كَهَيْئَةِ الجَارِيَةِ وَأَتَتْنِيْ بِهِ وَلَا أَشُكَّ أَنَّهُ جَارِيةٌ فَكَانَ يَرَي مِني مَا تَرَي الجَارِيَةُ مِن الجَارِيَةِ حَتَّى اغْتَفَلَني يَوْماً وَأَنَا نَائِمَةٌ فَمَا شَعَرْتُ حَتَّى عَلاَنِيْ وَخَالَطَنِيْ َفمَدَدْتُ يَدٍيْ إلى شَفْرَةٍ كَانَتْ إلى جَنْبِيْ فَقَتَلْتُهُ.
ثُمَّ أَمَرْتُ بِهِ فَأُلْقِيَ حَيْثُ رَأيْت فاشْتَمَلْتُ مِنْه عَلَى هَذَا الصَّبِيّ فَلَمَّا وَضَعْتُهُ ألْقَيْتُهُ في مَوْضِعِ َأبِيهِ فَهَذَا واللهِ خَبَرُهُمَا عَلَى مَا أعْلَمْتُكَ.
فَقَالتْ: صَدَقْتِ ثُمَّ أَوْصَاهَا وَدَعَا لَهَا وَخَرجَ وقَالَ لأَبِيْها: نِعْمَ الابْنَةُ ابْنَتُكَ ثُمَّ انْصَرَفَ.
وَقَالَ نَافِعُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: بَيْنَمَا عُمَرُ جَالِسٌ إذْ رَأَى رَجُلاً فَقَالَ: لَسْتُ ذا دِرَايةٍ إنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الرَّجُلُ قّدْ كَانَ يَنْظُرُ في الكِهَانَةِ ادْعُوْهُ لِي. فَدَعَوْهُ فَقَالَ: هَلْ كُنْتَ تَنْظُرُ وَتَقُوْلُ في الكِهَانةِ شَيْئاً؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَقَالَ مَالِكُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيْدٍ إنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَالَ لِرَجُلٍ: ما اسْمُكَ؟ قَالَ: جَمْرَةُ. قَالَ: ابْنُ مَنْ؟ قَالَ: ابنُ شِهَابٍ. قَالَ مِمَّنْ؟ قَالَ: مِنْ الحُرْقَةِ. قَال: أيْنَ مَسْكَنُكَ. قَالَ: بِحَرَّةِ النَّارِ. قَالَ: أيُّهَا. قاَلَ: بِذَاتِ لَظَى. فَقَالَ عُمَرُ: أدْرِكْ أهْلَكَ فَقَدْ احْتَرَقُوا. فَكَانَ كَمَا قَالَ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ ابْرَاهِيْمَ مُصَلَّى فَنَزَلَتْ الآية: {وَاتَّخِذُوْا مِنْ مَقَام إبْرَاهٍيْمَ مُصَلَّى} وَقَالَ: يَا رَسُولُ اللهِ لَوْ أَمَرْتَ نِسَائَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ َواجْتَمَعَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم نِسَاؤُهُ في الغَيْرَةِ فَقَالَ لَهُنَّ: عُمَرُ عَسَى رَبُهُ إنْ طَلقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْوَاجَاً خَيْرَاً مِنْكُنَّ فَنَزَلَتْ كَذَلِكَ.
وَشَاوَرَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في الأُسْرَى يَوْمَ بَدْرٍ فَأَشَارَ بِقَتْلِهِمْ، ونَزَلَ القُرآنُ بِمُوَافقتِهِ. وَرَوَى زَيدُ بْنُ أسْلمَ عن أَبِيْهِ، قَالَ: قَدِمَتْ عَلَى عُمَرَ بن الخطَّابِ رَضْيَ اللهُ عَنِهُ حُلَلٌ مِنْ اليَمَنِ فَقَسَمَها بَيْنَ النّاسِ فَرَأى فيها حُلَّةً رَدِيئةً فَقَالَ: كَيْفَ أَصْنَعُ بِهَذِهِ إنَّ أحَدَاً لَمْ يَقْبَلْهَا فَطَوَاهَا وَجَعَلَهَا تَحْتَ مَجْلِسِهِ وَأخْرَجَ طَرَفَهَا وَوَضَعَ الحُلَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَقسِمُ بَيْنَ النَّاسِ.
فَدَخَلَ الزُّبَيْرُ وَهُو عَلَى تِلْكَ الحال فجعلَ يَنظُُرُ إلى تِلكَ الحُلةُ، فَقَالَ: ما هذه الحُلةُ؟ فقالَ: عُمَرُ دَعهَا عَنْكَ؟ قَالَ: مَا شَأنُهَا؟ قالَ: دَعْهَا. قَالَ: فَأعْطِنيْهَا. قَالَ: إنَّكَ لا تَرْضَاهَا. قَالَ: بَلَى قَدْ رَضِيتُهَا. فلَمَّا تَوَثَّقَ منه واشترَطَ عليه أن لا يَرُدهَا رَمَى بهَا إليه فَلَمَّا نَظَرَ إليها إذا هِي رِدِيْئةٌُ. قَالَ: لا أُرِيدُهَا. قالَ عُمَرُ: هَيْهَاتَ قَدْ فَرَغْتُ مِنها. فَأَجَازَهَا عليهِ وَلَمْ يَقْبَلْهَا.
اللهُمَّ وَفَّقْنّا للهدَايَةِ وأبعِدْنَا عَنْ أَسْبَابِ الجَهَالَةِ وَالغَوايَةِ، اللهُمَّ ثَبّتْنَا عَلَى الإسْلامِ وِالسُّنَّةِ وَلا تُزِغْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إذْ هَديتنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ الوَهَّابُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنا وجميعِ المُسلمينِ برحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَاحِمين. وَصَلى اللهُ علَى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلهِ وصحبِهِ أجْمَعِيْنَ.

.من فراسة علي رضي الله عنه:

فصل:
وَمِنْ ذَلٍكَ أنَّهُ خَاصَمَ غُلامٌ منْ الأنْصَارِ أُمَّهُ إلى عُمَرَ بْنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه فجَحَدتْهُ فسألهُ البَيَّنَةَ فَلَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ وَجَاءتْ المَرأةُ بِنفَرٍ فَشَهِدُوا أنَّها لمْ تتَزوَّجْ وَأنَّ الغُلام كَاذبٌ عَليهَا وقَد قَذَفَها فَأمَرَ عُمَرُ بِضَربِهِ.
فَلَقِيَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِىْ طَالِبٍ فَسَأَلَهُ عَنْ أَمِرِهِم فَأخْبَرَهُ فَدَعَاهُم ثُمَّ قَعَدَ في مسْجِدِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وسَألَ المَرأة فَجَحَدَتْ فَقَالَ للغُلامِ: اجحدْهَا كَمَا جَحَدَتْكَ. فَقَالَ: يَا ابْنَ عمَّ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إنها أمي. قال: اجْحَدْهَا وأنا أبُوكَ وَالحَسَنُ وَالحُسيْنُ أخَوَاكَ.
قَالَ: قَدْ جَحَدْتُهَا وَأنكَرْتُهَا. فَقَالَ عَلِيُّ لأولياءِ المرأةِ أَمْريْ في هَذِهَ المَرأةِ جَائِزٌ. قَالُوا: نَعَمْ وَفِينَا أَيْضاً. فقَالَ: أُشِهِدُ مَنْ حَضَرَ أنّيْ قَدْ زَوَّجْتُ هذا الغُلامَ مِنْ هَذِهِ المَرْأةِ الغَرِيبةِ مِنْهُ يا قَنْبَرُ ائْتِنِيْ بِدَراهِمَ فأتاهُ فَعَدَّ أرْبَعْمَائةٍ وَثَمَانِيْنَ دِرْهَماً فَقَذَفَهَا مَهْراً لَهَا.
وَقَالَ للغُلامِ خُذْ بَيَدِ امْرأَتِكَ ولا تَأْتِنَا إلاَّ وَعَلَيْك أثرُ العُرسِ فَلَمَّا وَلى قَالتْ المَرأةُ: يَا أبَا الحَسَنِ الله الله هُو النَّارُ هُوَ والله ابْنيْ.
قَالَ: وكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالتْ: إنَّ أَبَاهُ كَانَ هَجِيناً – الهَجِيْنُ عَرَبيّ وُلدَ من أمةٍ أوْ مِنْ أبُوهُ خَيْرٌ مِنْ أُمَّهِ – وإنَّ إِخوِتي زَوَّجُونِي مِنهُ فَحَمَلْتُ بِهَذا الغُلام وخرجَ الرَّجُل غَازِيَاً فَقُتِلَ وَبَعَثْتُ بِهَذا إلى حَيّ بَنِي فُلانٍ فَنَشَأَ فِيهمْ وَأنِفْتُ أنْ يَكُونَ ابْنِيْ فَقَالَ عَلِيُّ: أنا أبُو الحَسَنِ وَأَلْحَقَهُ بِهَا وَثَبَّتَ نَسَبَهُ.
وَمِنْ ذَلك أنَّ عُمرَ بن الخطَّابِ سَألَ رَجُلاً كيْفَ أَنْتَ؟ فَقَالَ: مِمَّنْ يُحِبُّ الفِتنةَ ويَكْرَهُ الحَقَّ وَيَشْهَدُ عَلَى مَا لَمْ يَرَهُ. فأَمَرَ بِهِ إلى السَّجْنِ فأمَرَ عَلِيٌّ بِرَدَّهِ. فَقَالَ: صَدقَ. فَقَالَ: كَيْفَ صَدَّقتَهُ. قَالَ: يُحِبُّ المالَ والوَلدَ وَقَدْ قَالَ الله تعالى: {إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ}، ويكرهُ الموتَ وَهُوَ الحَقُّ وَيَشْهَدُ أنّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ولم يرهُ فَأَمَرَ عُمَرُ بِإطْلَاقِهِ وَقَالَ: {اللهُ أعْلَمُ حيثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}.
وَشَكَا شَابٌ إلى عَلي نَفَراً فَقَالَ: إنَّ هَؤلاء خَرَجُوا مَعَ أبي في سَفَرٍ فَعادُوا وَلم يَعُد أبِي فَسَألتُهُم عنهُ فَقَالُوا: ماتَ. فَسَألتُهُم عنْ مالِهِ فَقَالُوا: مَا تَرَكَ شَيْئاً وَكَانَ معهُ مالٌ كثيرٌ وَترافعْنا إلى شُرَيْحٍ فاَسْتَحْلَفَهُم وَخَلَّى سبيلهُم.
فَدَعَا عَلِيُّ بالشُّرطِ فَوَكَّلَ بِكُلَّ رَجُلٍ مِنهُم رَجُلينِ وَأَوْصَاهُمْ أنْ لا يُمْكِِنُوا بَعْضَهُمْ أنْ يَدْنُو مِنْ بَعْضٍ وَلا يُمَكِّنُوا أحَدَاً يُكلمُهُمْ وَدَعَا كَاتِبَهُ وَدَعَا أَحَدَهُمْ فَقَالَ: أخْبِرْنِي عَنْ أَبِ هَذَا الفَتَى أيَّ يوم خَرجَ مَعَكُمْ وَفي أي منزلٍ نَزَلتُمْ وَكيْفَ كَانَ سَيْرُكُمْ وَبِأَيَّ عِلَّةٍ مَاتَ وَكَيْفَ أُصِيبَ بِمَالِهِ وَسألَهُ عَمَّنْ غَسَّلَهُ وَدَفَنَهُ وَمَنْ تَوَلَّى الصَّلاَةَ عَلَيْهِ وَأَيْنَ دُفِنَ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالكَاتِبُ يَكْتُبُ. فَكَبَّرَ عَلِيٌّ وَكَبَّرَ الحَاضِرُونَ وَالمُتَّهَمُونَ لاَ عِِلْمَ لَهُمْ إِلا أنهُمْ ظَنُّوا أنَّ صَاحِبَهُم قَدْ أَقَرَّ عَلَيْهِم.
ثُمَّ دَعَا آخَرَ بَعْدَ أنْ غَيَّبَ الأوَّلَ عَنْ مَجْلِسِهِ فَسَألَهُ كَمَا سَأَلَ صَاحِبَهُ ثُمَّ الآخَرَ كَذَلِكَ حَتَّى عَرَفَ ما عِنْدَ الجَميعِ فَوَجَدَ كُلَّ واحدٍ يُخبِرُ بِضِدَّ مَا أخبرَ به صَاحِبَهُ ثم أمرَ برَدَّ الأول فقالَ يَا عَدُوَّ اللهِ قَدْ عَرَفْتُ غَدْرَتُكَ وكَذِبَكَ بِمَا سَمِعتُ مِنْ أصْحَابِكَ ومَا يُنْجِيْكَ من العُقُوبَةِ إلا الصَّدقُ ثم أمَرَ بِهِ إلى السجنِ وَكَبَّرَ وَكَبَّرَ مَعَهُ الحاَضِرُونَ.
فَلَمَّا أبْصَرَ القَوْمُ الحَالَ لم يشُكُّوا أنَّ صَاحِبَهُمْ أَقَرَّ عَليهِم فَدَعَا آخَرَ مِنْهم فَهَدَّدَهُ فَقَالَ: يَا أمِيَر المؤمنينَ واللهِ لقد كُنتُ كَارِهاً لما صَنَعُوا ثُم دعَا الجَمِيعَ فَأقرُّوا بالقِصَّةِ وَاستدْعى الذِي في السَّجْنِ وَقَالَ لَهُ: قَدْ أقرَّ أصحَابكَ وَلاَ يُنْجِيكَ سِوَى الصَّّدق فأقرَّ بكُل مَا أقرَّ بِهِ القَوْمُ فَأغْرَمَهُمْ المَالُ وَأقَادَ مِنْهُمْ بالقَتِيْلِ.
اللهُمَّ أرْحَمْ غُرْبَتَنَا في القُبُورِ وَآمِنَّا يَوْمَ البَعْثِ والنُّشُورِ واغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيع المُسْلمِينَ بِرَحْمتَكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ وَصَلى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصْحبِهِ أَجْمَعِين.
فصل:
وَمِنْ ذَلِكَ أنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ دَفَعَا إلى امرأةٍ مِائَةَ دِيْنَارٍ وَدِيْعَة وَقَالا: لا تَدْفَعِيْهَا إلى وَاحِدٍ مِنا إلا وَمَعَهُ صَاحِبهُ، فَلَبَثَا حَوْلاً فَجَاءَ أَحَدُهُمَا فقالَ: إنَّ صَاحِبيْ قَدْ مَاتَ فَادْفَعِيْ إليَّ الدَّنَانِيرَ فَأَبَتْ، وَقَالَتْ: إِنَّكُمَا قُلتُمَا لا تَدفِعِيْهَا إلى واحِدٍ مِنّا دُوْنَ صَاحِبِه فَلَسْتُ بِدَافِعَتِهَا إلَيْكَ، فَثَقَّلَ عَلَيْهَا بِأهْلِهَا وَجِيْرَانِهَا حَتَّى دَفَعْتَهَا إلَيهِ.
ثُمَّ لَبِثَتْ حَوْلاً آخَرَ فَجَاءَ الآخَرُ فَقَالَ: ادْفَعِيْ إلَيَّ الدَّنَانِيْرَ. فَقَالَتْ: إنّ صَاحِبَكَ جَاءَنيْ فَزَعَمَ أنكَ قَدْ مُتَّ فَدَفعْتُها إليهِ. فَاخْتَصَمَا إلَى عُمَرَ رَضيَ اللهُ عَنْهُ فَأَرادَ أنْ يَقْضيَ عَليْهَا فقالَتْ: ادْفَعْنَا إلَى عَلِيّ بْنِ أبِيْ طَالبٍ رَضْيَ اللهُ عَنْهُ فَعَرفَ عَلِيّ أَنَّهُمَا قَدْ مَكَرا بِهَا.
فَقَالَ: أَليْسَ قُلتُمَا لا تَدْفَعِيْهَا إلَى وَاحِدٍ مِنَّا دُوْنَ صَاحِبِه. قَالَ: بَلَىَ. قَالَ: مَالُكَ عِنْدَها فَاذْهَبْ فَجِئْ بِصَاحِبَكَ حَتَّى تَدْفَعهُ إليْكُما.

.من فراسة إياس بن معاوية:

وَاخْتَصَمَ إلَى إيَاسِ بْنِ مُعاويةَ رجُلانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا إنَّهُ بَاعِنِيْ جَارِيَة رَعْنَا فَقَالَ إيَاسٌ: وَما عَسَى أنْ تَكُونَ هَذِهِ الرُّعُوْنَةُ؟ قَالَ: شِبْهُ الجُنونُ. فَقَالَ إيَاسٌ: لِلجَارِيَةِ أتَذْكُرِينَ مَتَى وُلِدْتِيْ؟ قَالتَ: نَعَمْ. قَالَ: فأيُّ رِجْليْكِ أطوَلُ؟ قَالَتْ: هَذِهِ. فقالَ إيَاسٌ: رُدَّهَا فَإِنَّهَا مَجْنُونَةٌ.
وتَقََدَّمَ إلى إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَقالَ إيَاسٌ: أَمَّا احدَاهُنَّ فَحامِلٌ وَالأخَرى مُرْضِعٌ والأخَرى ثيّبٌ والأخْرى بِكرٌ فَنَظَرُوا فَوَجَدَوا الأمْرَ كَما قَالَ. قَالُوا: كَيْفَ عَرَفْتَ؟ فَقَالَ: أمَّا الحامِلُ فَتْرَفُع ثَوْبَها عَنْ بَطْنِهَا وَهِيَ تُكَلمّنُيْ فَعلِمْتَ أنَّها حَامِلٌ، وأمَّا المُرضِعُ فَكانَتْ تَضْرِبُ ثدْيَها فَعلِمْتُ أنَها مُرضِعٌ، وأمَّا الثَّيَّبُ فكانتْ تُكلِمُنِيْ وَعينُها في عَيْنِيْ فَعلِمتُ أنَّها ثيَّبٌ.
وَأمَّا البِكْرُ فَكَانَتْ تُكلمنِيْ وَعَينُهَا في الأَرضِ فَعَلِمْتَ أنَّهَا بِكْرٌ، وقَالَ المدَائِنِيّ عَنْ رَوْح اسْتَوْدَعَ رَجُلٌ رَجُلاً مِنْ أبْنَاءِ النَّاسِ مالاً ثُمَّ رَجَعَ فَطلَبَهُ فَجَحَدَ فَأتَا إيَاساً فَأخْبَرَهُ فَقَالَ لهُ إيَاسُ: انْصَرِفْ فَاكْتُمْ أمْرَكَ وَلا تُعْلِمْهُ أنَّكَ أتَيْتَنِيْ ثم عُدْ إليَّ بَعْدَ يَوْميْنِ.
فَدَعَا إيَاسٌ الْمُودَعَ فَقَالَ: قَدْ حَضَرَ مَالٌ كَثيرٌ وَأرِيْدُ أنْ أُسَلمَه إلَيكَ أفحَصِيْنٌ منزِلُكَ؟ قالَ: نَعَمْ. قَالَ: فأَعِدَّ لهُ مَوضِعَاً وَحَمَّالينَ وَعادَ الرَّجُلُ صَاحِبُ الوَديعَةِ إلي إيَاسٍ.
فَقَالَ انطلقْ إلى صَاحِبَكَ فاطْلُبْ المَالَ فَإنْ أعْطَاكَ فَذَاكَ وَإنْ جَحَدَكَ فَقُلْ لَهُ إنَّيْ أخبِرُ القاضِي فَأتى الرَّجُلُ صَاحِبُه فَقالَ: مَالِي وَإلا أَتَيْتُ القَاضِيْ وَشَكْوتُ إِليهِ وَأخبَرتُه بِأمْري، فَدَفَعَ إِلَيهِ مَالَهُ فَرَجَعَ الرَّجُلُ إلى إِيَاسٍ فَقَالَ: قَدْ أعْطَانِيْ المالَ.
وَجَاءَ الأَمِيْنُ إلَى إيَاسٍ لِوَعْدِهِ فَزَجَرَهَ وَانْتَهَرَهُ وَخَجَّلَهُ وَقَالَ: لاَ تَقْرَبْنيْ يَا خَائِنُ. وَتَقَلَدَ القَضَاء َبِوَاسَطَ رَجُلٌ ثِقَةٌ فَأَوْدَعَ رَجُلٌ بَعْضَ شُهودِهِ كِيساً مَختُومَاً ذَكَر أنَّ فِيْهِ ألفَ دِينَارٍ.
فَلَمَّا طَالَتْ غَيْبَةُ الرَّجُلِ فَتَقَ الشَّاهِدُ الكِيسَ مِنْ أَسفَلِهِ وَأَخَذَ الدَّنانِيْرَ وَجَعَلَ مَكانَها دَرَاهِمَ وأعَادَ الخِيَاطَةَ كَمَا كَانَتْ.
وَجَاءَ صَاحِبُ الكِيْسِ فَطَلَبَ وَدِيْعَتَهُ فَدَفَعَ إلَيْهِ الكِيْسَ بِخَتْمِهِ لَمْ يَتَغَيّر فلمَّا فَتحهُ وَشَاهَدَ الحَالَ رَجَعَ إليهِ وقَالَ: إنّيْ أوْدَعْتُكَ دَنَانْيِرَ وَالتِيْ دَفَعْتَ إليَّ دَرَاهِم. فَقَالَ: هُوَ كِيسُكَ بِخَاتَمِكَ فاسْتَعْدَي عَليهِ القَاضِيْ فَأَمرَ بِإحضَارِ المُودَعِ فلمَّا صَارَ بَيْنَ يَدَيهِ قَالَ القَاضِيْ: مُنْذُ كَمْ أوْدَعَكَ هَذَا الكٍيسُ فقالَ: مُنْذُ خمَسَة عَشَر سَنَةً.
فَأَخَذَ القَاضِيْ تِلْكَ الدَّراهِمَ وَقَرَأَ سِكَّتَها فَاذا فِيْهَا مَا قد ضُرب مِنْ سَنَتَينِ وَثَلاثٍ فَأمَرهُ بِدَفْعِ الدَّنَانِيْر إلَيهِ وَأسْقَطَهُ وَنَادَى عَلَيْهِ، وَاسْتَوْدَعَ رَجُلٌ لِغَيرهِ مَالاً فَجَحَدهُ فَرفعَهُ إِلى إيَاسِ فَسَألهُ فَأنكَرَ.
فَقَالَ لِلمُدَّعِيْ أَيْنَ دَفَعْتَ إِلَيهٍ فَقَالَ في مَكَانِ كَذا في البَرَّيَّةِ. فَقَالَ: وَمَا كانَ هُنَاكَ؟ قَالَ: شَجَرةٌ. قَالَ: اذْهَبْ إلَيْهَا فَلعَلَّكَ دَفَنْتَ المَالَ عِنْدَها وَنَسِيْتَ فَتَذكُرَ إذَا رَأيْتَ الشَّجَرَةَ فَمَضَى وَقَالَ لِلْخَصٍمِ: اجْلِسْ حَتَّى يَرْجِعَ صَاحِبُكَ وَإيَاسٌ يَقْضِيْ وَينظُرُ إليهٍ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةً.
ثُمَّ قَالَ: يا هَذَا أتَرَى صَاحِبَكَ بَلَغَ مَكَانَ الشَّجَرَةِ قَالَ: لاَ. قَالَ: يا عَدُوَّ اللهِ إنَّكَ خائِنٌ. قَالَ أقِلنِي قَالَ أقَالَكَ اللهُ فَأمَرَ مَنْ يَحْتَفِظُ بِهِ حَتَّى جَاءَ الرَّجُلُ فَقَالَ لهُ إيَاسٌ اذْهَبْ مَعَهُ فَخُذْ حَقَّكَ.

.نماذج متفرقة من الفراسة:

وَتَقَدَّمَ رَجُلٌ شَيْخٌ أَيْ كَبِيرُ السَّنَّ ومَعَهُ غُلام حَدَثٌ أيْ صَغِيرٌ إلى القَاضِيْ أبِي حَازِمٍٍٍ فَادّعَى الشَّيْخُ على الغُلامِ بألٍفْ دِينارٍ دَيناً فَقَالَ مَا تَقُولَ قَال نَعَمْ فقَالَ القَاضِيْ للشَيخِ مَا تُرِيْدُ قالَ احِبْسُه قَال لا.
فَقَالَ الشَّيْخُ إنْ رَأَى القاضِيْ أنْ يَحبِسَهُ فَهُوَ أرْجَى لِحُصُولِ مَالِي فَتَفَرَّس أبُو حَازِمٍ فِيْهَما سَاعَةً ثم قالَ تَلَازَما حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُمَا في مَجلِسٍ آخرَ فقَالَ لهُ مُكرِمُ بْنُ أحْمَدٍ لمَاذَا أخَرَّتَ حَبْسَهُ فَقَالَ وَيْحَكَ إنَّي أعرِف في أكثَرِ الأَحْوَالِ في وُجُوْهِ الخُصُوْمِ وَجْهَ المُحِقَّ مِن المُبطلِ وَقد صَارَتْ لِيْ بذلِكَ دِرَاية لا تكادُ تُخْطِئ.
وَقَدْ وَقَعَ لِيْ أنَّ سَمَاحَهُ هَذا بالإقرَارِ عَيْنُ كَذِبِه وَلعلهُ يَنكَشِفُ لِي من أمْرهِمَا مَا أكُوْنُ مَعَهُ عَلى بَصِيرةٍ أمَا رَأَيْتَ قِلَّةَ تَعَاصِيهِمَا في المُناكَرَةِ وقلَّةِ اختلافِهِمَا وَسُكْون طِبَاعِهِمَا مَعَ عِظَمِ المالِ ومَا جَرَتْ عَادَاتُ الأحْدَاثِ بِفرطِ التَّورُّع حَتَّى يُقِرَّ بمِثلِهِ طَوْعاً عَجِلاً مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ عَلى هَذَا المالِ.
قَالَ ونحن عَلى ذَلِكَ نَتَحَدَّثُ إذْ أتَي الآذِنُ يَسْتَأذِنُ عَلى القَاضِي لِبَعضِ التُجَّارِ فَأذِنَ لَهُ فَلَمَّا دَخَل قَالَ أصْلَحَ القَاضِيْ إني بُلِيتُ بوَلدٍ حَدَثٍ صغِيرٍ يُتْلِفُ كُلَّ مَا يَظفَرُ بِهِ مِنْ مَاليْ في القِنَانِ عِنْدَ فُلانٍ فَإذَا مَنَعْتُهُ احْتَالَ بِحيَلٍ تَضْطَرُّنيْ إلى الْتِزَام العُزْمِ عنهُ.
وَقَدْ نَصَبَ اليَومَ صاحِبُ القِنَانِ يُطَالِبُ بِأَلْفَ دِينارٍ حالاً وبَلَغَنيْ أنَّهُ تَقَدَّمَ إلى القَاضِيْ لِيُقِرَّ لَهُ فَيَسْجُنَهُ وَأقَعُ مَعَ أمَّهُ فِيمَا يُنكد عَيشَنَا إلى أن أقْضِيَ عنهُ فَلَمَّا سَمِعتُ بِذلِكَ بَادَرْتُ إلى القَاضِيْ لأشْرَحَ لَهُ أمْرَهُ.
فَتَبَسَّمَ القَاضِي وقَالَ كَيْفَ رَأَيْتَ فَقُلتُ هَذَا مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلى القَاضِيْ فَقَالَ عَلَيَّ بالغُلامِ والشَّيخِ وَوَعَظَ الغُلامَ فَأَقَرَّ فَأَخَذَ الرَّجُلُ ابْنَهُ وانْصرَفَا.
قال عَمْرو بن نُجِيْد كان شَاهُ الكَرْمَاني حَادٌ الفِراسَةِ لا يُخْطِي ويَقُولُ مَن غَضَّ بَصَرَهُ عَن المَحَارِم وَأَمْسَكَ نَفَسَهُ عَن الشهوات وَعَمَرَ بَاطِنَهُ بالمُرَاقَبَةِ وظَاهِرَهُ باتباع السُنة وتعَوَّدَ أَكْلَ الحَلالِ لم تُخُطِئ فِرَاسَتُه.
واللهُ أعْلَمُ وَصَلى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ...
موعظة:
عِبَادَ اللهِ تيَقَّظُوا فَالعِبَرُ مِنْكُم بِمَرْأَى وَمَسْمَعٍ، وطَاَلمَا نادَاكُم لِسانُ الزَّوَاجر عَن الانْهمَاكِ في الدُّنيا وَحُطَامِهَا والتَّهَالُكِ عَلَيْهَا فَاسْمْعَ.
عِبَادَ اللهِ احذَرُوا أنْ تَكُونُوا مِثْلَ مَنْ قَدْ مَحَّضُوْا لِلْدُّنْيَا كُلَّ مَا لهُم مِنْ أَعمَالٍ وَأَصْبَحُوا لا يَقْصِدُونَ بِتَصَرُّفَاتِهِم إلاَّ الدُنيَا وأمّا الآخِرة فلا تخطُرُ لهُم عَلى بَالٍ.
أخَذَتْ الدُّنيَا أسمَاعَهُم وأبصَارَهُم وعُقُولهَمُ بِمَا فِيهَا مِن الزَّخارِفِ الوَهْمِيَّةِ التيْ هِيَ مَرَاقِدَ الفَنَاءِ وَمَرَابِضُ الزَّوَال وَقَواتِلُ الأوْقَاتِ.
وَهَلَ هِيَ إلا الأَلْعَابُ والمَلاهِي المُشَاُر إلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالى: {اعْلَمُوا إنما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الامْوَالِ وَالأولاَدِ} الآية وقوله: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الأخرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} وقوله: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} الآية، عِبَادَ اللهِ، كُلُّ مَا تَرَوْنَ مِن البَلاَيَا وَالمِحَنِ مِنْ أجْلِ الدُّنيا وَمَا لَهَا مِن مَتَاعٍ حَقيرٍ.
عَجَبٌ أنْ يَكُونَ كُلُّ هَذَا الاهْتِمَامِ مِنْ أجْلِ دارِ الغُرُوْرِ وأيَّامِهَا المَعْدُودْةِ، وَكُلُّ مَا فِيهَا مِنْ لذائذَ مَعلُومٌ أنَّهَا مُنَغَّصَات ثُمَّ مْنُتَهِيَاتٍ ذَلِكَ فَوْقَ أنَّ الأرزاقَ فِيهَا قَدْ ضمِنَهَا اللَّطِيفُ الخَبيُر خَالِقُ كُلُّ شَيءٍ الذِي مَا من دابةٍ في الأرض إلا عليه رِزقُهَا.
وَهَل يَشُكُّ مُؤمِنٌ عاقِلٌُ في مَا ضَمِنَهُ مَوْلاَهُ الغَنِيُّ الحَميدُ لقدْ كانَ الأجدَرُ والأولَي بِهَذا الإهتمام حَياتَنَا الثَانِيَة لإنهَا دارُ القَرَارِ ولأنَّهَا إذا فاتتكَ فِيهَا دَارُ الكَرَامَةِ هَوَيْتَ في الهَاوِيَةِ وأنتَ لا تَدْرِي هَلْ أنتَ مِنْ فرِيقِ الجَنَّةِ أمْ مِنْ فَرِيقِ السَّعِيرِ.
فَتَيَقَّظَ يَا من ضَاعَ عُمرُهُ في الغَفََلات! انْتَبِهْ يَا مَنْ يَقْتُلُ أوقاتهُ عند الملاهِي والمنكراتِ.
يَا أسَفىَ على أوقاتٍ لا تُباعُ بملءَ الأرضِ ذهَباً تُضَيَّعُ عِنْدَ التَّلفْزْيُونِ والفِديُو والسِيْنَمَاَت والبكمات ولَعِبِ الأوَرَاقِ المحُرّمَات.
أَحْذِرْك أحَذِرْك لا أحْذرك واحِدَةً ** عن المَذاَييعِ والتَّلفَازِ والصُّحُفِ

كَمْ عِنْدَهَا ضاعَ مِن وقْتٍ بلا ثَمَنٍ ** لو كان في طاعَةِ أَحْرَزْتَ لِلشَّرَف

آهٍ على أوقاتٍ تُقتلُ عِنْدَ المَذيَاعِ وَاسْتِمَاعِ أَغَانِيهِ وَمَلاهِيهِ الْمُهْلِكَاتِ.
آهٍ عَلَى سَاعَاتٍ تمضي عِنْدَ الكُرةِ والمُطْرِبينَ والمُطْرِبَاتِ.
آهٍ على أوقاتٍ وتفكيراتٍ تذهبُ في قِراءة الكُتُبِ الخليعةِ والجَرائدِ والمَجلاتِ.
آهٍ على أوقاتٍ تنقضي في الإقامةِ بين أعدِاء اللهِ ورسولِه.
آهٍ على أوقاتٍ تقتل في الغِيبةِ والبُهتِ والتملقِ والنفاقِ والمدَاهَنَاتِ.
آهٍ على أوقاتٍ تقتل في الجلوس في الأسواق لا لمصلحة دنيا ولا دينٍ بل لأمورٍ عند أهل الضياع معلومات.
آهٍ على أوقاتٍ تُقضى في بلادِ الحُرَّيةِ والفِسقِ والفُجُوْرِ والأمور المهلكات.
آهٍ على أوقاتٍ تقتل بالحكايات المضحكاتِ والتَّمْثِيليَاتْ.
آهٍ على أوقاتٍ تَنقضي بِلَغو الكلامَ والمُغَازَلات لأهل المعاصي والمنكرات.
آهٍ على أوقاتٍ تَنقَضي في الاستماع لِلأغَاني الخَلِيعَاتِ.
آهٍ على أوقاتٍ تَمضِيْ في السُّكْرِ وَشُربِ أبي الخَبَائِثِ الدُّخَانْ.
آهٍ على أوقاتٍ تُقتلُ في ذِكرِ الحَوَادثِ والأمُورِ المَاضِيَاتِ التي لا تَعُودُ عَليهم بنفعٍ بل ربما عادتْ بالضررِ والنّكباتِ.
آهٍ على أوقاتٍ تذهب سُدَى في النَّومِ والغَفَلاتِ.
ومن يَقْطَعِ الأوقاتَ في غيرِ طاعةٍ ** سَيندَمُ وقَتاً لا يُفيدُ التَّنَدُّمُ

آهٍ عَلى أمْوال تْنَفقُ فْيمَا يُغْضِبُ فَاطَر الأرض والسَّمَوَات وعلى أمْوَال تُبذَلُ للخَدَّامِينَ والخدّمات الكَافِرينَ والكافِرات.
آهٍ على ألسنةٍ لا تفترُ عَن الكَلامِ فِيمَا يَضُرُّ وَلمْ تَسْتبدِلْهُ بِتَمْجِيْد وَتَسْبِيْحِ وَتَكْبِير وَتَهْلِيلِ بَديع ِالأرضِ والسَّمواتِ.
آهٍ على أفكارٍ وأذهانٍ مَصْرُوفةٍ ومُشْتَغِلةٍ طوْل لَيلِهَا وَنَهارِهَا فَيْمَا في الدُّنيا مِنْ مَتَاعٍ وعَقَاراتٍ وَلَمْ تُفكَّرْ وَتَلْتَفِتْ وتَسْتعِدّ إلى مَا في أمامهَا مِنْ أهْوْالٍ وشدائِدَ وعَقَباتٍ ومَا في الآخِرةِ لِمنْ أَطَاعَ اللهَ مِن أنهارٍ وثمارٍ وحُورٍ حِسانٍ طَاهِراتٍ.
تاللهِ لقد فَسَدَتْ أمزِجَةُ أكْثَر النَّاسِ حَتَّى أثَّر فَسَادُهَا عَلي الأفهَامِ لذَلكَ رَجَّحُوا فانياً مُكدراً مُنَغَّصًا عَلى باقٍ ضَمِنَ صَفوهُ مُوْلي الأنعَامِ وَهَاهُم أولاءِ كَمَا تَرَى لا هَمَّ لَهُمْ وَلا عَمَل إلا للدُّنيَا ومَا لها مِنْ حُطامٍ قَالَ تَعَالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالأخرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَي}.
عِبَادَ اللهِ أما سَمِعتُمْ قَوْلَ نَبِيَّكُمْ صلى الله عليه وسلم: «أبشُروا وَأمَّلُوا ما يسُرُّكم فَوَاللهِ مَا الفَقرَ أخْشَى عَليْكُم، وَلَكِنْ أخْشَى أن تُبْسَطَ الدُنيا عَلَيْكُم كَمَا بُسِطَتْ عَلى من كانَ قَبْلََكُمْ فَتَنَافَسُوْهَا كَما تَنافَسُوهَا فَتُهَلِككم كَما أهلكتْهُم». رَوَاهُ البُخَارِىّ ومُسلِمٌ.
وَخِتَاماً:
فَيْنَبَغِيْ لِلعَاقِل أنْ يَعْرفَ شَرَفَ زَمَانِهِ وَقَدْرَ وَقْتِهِ فَلا يُضِيْعُ مِنْهُ لحظةً في غير قُربةٍ وَيُقَدَّمَ الأفضَلَ فالأفْضَلَ مِنْ القَوْلِ والعَمَل.
فوائد:
كُلُ مَا يقومُ به غَيْرُكَ ويحصَلُ بذَلِكَ غَرضُكَ فإن تَشَاغَلك به غَبْنٌ فاحِش لأنَّ إحتياجَكَ إلى التشاغل بما لا يقوم به غيرُكَ مِن العلم والعمل والذِكر والفِكر آكدُ والْزَمَ وأنْفَع.
أعلم أن ما احْتَجْتَ إلى مفارقته وتركه للناس فَلَيْسَ لَكَ والشُغْلُ بما لَيَس لَكَ عَبَث.
وما المرءُ إلَّا رَاكبٌ ظَهْرَ عُمرِه ** عَلى سَفَرٍ يُفْنِيهِ في اليوم والشهرِ

يَبيْتُ ويضحي كلَّ يَومٍ وليْلَةٍ ** بَعِيْداً عن الدُّنيَا قَريباً إلى القبرِ

آخر:
آنَ الرّحِيْلُ فَكَنْ على حذَرٍ ** ما قَدْ تَرىَ يُغنِي عن الحَذَرِ

لا تَغتِرَرْ باليَومِ أوْ بِغَدٍ ** قُلوُبُ المَغْرُورِيْنَ عَلىَ خَطَر

آخر:
دَخَلَ الدُنيَا أُنَاسٌ قبْلَنَا ** رَحَلُوْا عَنْهَا وَخلوْهَا لَنَا

ونَزَلْنَاهَا كما قدْ نَزلَوا ** ونُخَلّيِهَا لِقَوْمٍ بَعْدَنَا

آخر:
إذَا كَانَ رأس المالِ عُمْرُكَ فَاحْتَرِزْ ** عَليهِ مِن الإنفاقِ في غَيْرِ واجبِ

آخر:
عِلمِي بِعَاقبة الأيامِ تَكْفِينِي ** وما قَضَى الله لَيْ لابُدَّ يَأتِينِيْ

ولا خلافَ بأنَّ الناسَ مُذُ خُلقُوْا ** فيما يَرمُونَ مَعْكُوسَ القَوَانِيْنِ

إذْ يُنْفِقُوْا العُمْرَ في الدُنيَا مُجازفةً ** والمالُ يُنفقُ فيهَا بالموازينِ

آخر:
ستَبكي رجالٌ في القيامةِ حسرةً ** عَلى فوتِ أوقَات زَمَان حَيَاتِهَا

اللهُم نوّرْ قُلُوبَنَا بنُور الإيمانِ وأعنَّا على أنفَسِنَا والشَّيطان وأيّسْهُ مِنا كما أيَّستَهُ مِن رَحمتِكَ يا رَحْمَان وآتِنَا في الدُّنيَا حَسنةً وفي الأخرةِ حسنةً وَقِنَا عَذابَ النَّار، واغفِر لَنَا وَلَجَمِيِع الُمسلمينَ بِرحمتكَ يَا أرحَمَ الرَّاحِمينَ وصلى الله على محمدٍ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أَجْمَعِينَ.
فصل:
أَتَتْ عُمَرَ امرَأَةٌ فَشَكَتْ عِنَدهُ زَوْجَهَا وَقَالتْ هُوَ مِنْ خَيْرَ أَهْلِ الدُّنيَا يَقُومُ اللَيلَ حَتَّى الصَّباحِ وَيَصَوم النَّهار حتي يُمسي ثُمّ أدرَكهَا الحَيَاء فقال عُمَرُ: جَزَاكِ اللهُ خَيْراً فَقَدْ أَحْسَنْتِ الثَّنَاءَ.
فَلَمَّا وَلَّتْ قَالَ لَهُ كَعْبُ بْنُ سُوْرٍ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ لَقَدْ أَبْلغَتْ إليكَ في الشَّكوَى، فَقَالَ وَمَا اشْتَكَتْ قَالَ زوْجَهَا، قَال عَلَيَّ بِهَا فَقَالَ لِكعْب: اقْضِ بَيْنَهُمَا، قَالَ أَقْضِ وَأَنتَ حَاضِرٌ، قَالَ إنَّكَ قَدْ فَطِنْتَ لِمَا لَمْ أفْطَنْ لَهْ.
قال كعب إن الله يقول: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} صُمْ ثلاثَةَ أيّامٍ وَأفْطِرْ عِنْدَهَا يَوْماً وَقُمْ ثَلاثَ لَيَالٍ وَبِتْ عِنْدَها لَيْلَةً. فَقَالَ عُمَرُ هَذَا أَعْجَبُ إلَيَّ مِِن الأوَّل فَبَعَثَهُ قَاضياً لأهلِ البَصْرةِ فكَانَ يَقَعُ لَهُ مِنْ الفِرَاسَةِ أُمُوْرٌ عَجِيْبَةٌ.
قَالَ رَحِمَهُ اللهُ وَمِنْ دَقِيْقِ الفِرَاسَةِ أنَّ المَنصُورَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أنّهُ خَرَجَ فِي تِجَارَةٍ فَكَسِبَ مَالاً فَدفَعهُ إلى امْرَأَتِهِ ثُمَّ طَلبَهُ فَذَكرَتْ أنَّهُ سُرِقَ مِنْ البَيْتِ وَلَمْ يَرَ نَقْبَاً وَلا أَمَارَةً فَقَالَ لهُ المَنْصُوْرُ: مُنْذُ كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟ قَالَ: مُنْذُ سَنَةٍ، قَالَ: بِكْراً أو ثَيَّباً؟ قَالَ: ثَيَّباً؟ قَالَ: فَلَهَا وَلَدٌ مِنْ غَيْرِكَ؟ قَالَ: لا.
فَدَعَا لَهُ المَنْصُوْرُ بِقَارُوْرَةٍ طِيْبٍ يَتَّخذُهُ لَهُ حَادُّ الرَّائِحَةِ غَرِيْبُ النَّوعِ فَدَفَعَهُ إِليْهِ وَقَالَ تَطَيَّبْ مِنْ هَذَا الطَّيْبِ فَإنَّهُ يُذْهِبُ غَمَّكَ فَلمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ عِنْدِهِ قالً المنصُورُ لأربَعَةٍ مِنْ ثِقَاتِهِ لِيقْعُدْ مِنْكُمْ كُلُّ واحِدٍ عَلى بَابٍ مِن أبْوَابِ المَدِينَةِ فَمَنْ شَمَّ مِنْكُمْ رَائِحَةَ هَذا الطَّيْبِ مِنْ أحدٍ فَليَأتِ بِهِ، وَخَرَجَ الرَّجُلُ بالطيبِ ودَفَعَهُ إلى امرأتهِ فَلَمَّا شَمَّتْهُ بَعَثَتْ مِنْهُ إلى رَجُلٍ كَانَتْ تُحِبُهُ وقدْ كَانَتْ دَفَعَتْ إليهِ المَالَ.
فَتَطَيَّبَ مِنْهُ وَمَرَّ مُجْتَازاً بِبَعْض أَبْوَابِ المَدِيْنَةِ فَشَمَّ المُوَكَّلُ بِالبَابِ رَائِحةً طيَّبَةً فَأتى به المَنصُورَ فَسَألهُ مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذا الطَّيْبِ؟ فَلَجْلَجَ في كَلامِهِ فَبعَثَ بِه إلى وَالِيْ الشُّرطَةِ فقال: إنْ أَحْضَرَ لك كَذا وكَذا مِنْ المالٍ فَخَلَّ عَنْهُ وَإلا اضْرِبْهُ ألْفَ سَوْطٍ.
فَلَمَّا جُردَ لِلضربِ أَحضَرَ المال على هَيئَتِهِ فدعَا المَنصُورُ صَاحِبَ المَالِ فقالَ: إنْ رَدَدْتُ إليْكَ مالَك تُحَكِمَنِيْ في امْرَأَتِكَ قَالَ: نَعَمْ؟ قالَ: هَذا مَالُكَ وَقَدْ طَلَّقْتُ المَرأَةَ مِنْكَ.
قَالَ وَمِن عَجِيْبِ الفِرَاسَةِ مَا ذُكِرَ عَنْ أَحْمَدِ بْنِ طُوْلُوْنَ أنَّهُ بَيْنَما هُوَ جَالِسٌ في مَجْلِسٍ لَهُ يَتَنَزَّهُ فَيْهِ إذْ رَأى سائلاً في ثَوْبٍ خَلِقِ فَوضعَ لهُ دَجَاجَةً عَلى رَغِيْفٍ وَحَلْوَى وأَمَرَ بَعَضْ الغِلْمَانِ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ فَلَمَّا وَقَعَ في يَدِهِ وَأخذهُ لمْ يَفْرَحْ بِهِ وَلَمْ يَهُشَّ لَهُ وَلَمْ يَعْبَأْ بِهِ.
فَقَالَ لِلغُلامِ: ائْتِنِيْ بالسَّائِلِ. فلمَّا وقَفَ قُدَّامَهُ اسْتَنْطَقَهُ فَأَحْسَنَ الجَوَابَ وَلَمْ يَخفْ وَلَمْ يَضْطَرِبَ مِنْ هَيْبَتِهِ فَقَالَ له: هَاتِ الكُتُبَ التِيْ مَعَكَ واصْدُقْنِىْ مِنْ بَعثَكَ فَقَدْ صَحَّ عِنَديْ أنَّكَ صَاحِبَ خَبَرِ وَأحْضَرَ السَّيَاطَ فاعْتَرَفَ.
فَقَالَ بَعْضُ جُلَسَائِهِ: هَذا وَاللهِ السَّحْرُ! قَالَ: مَا هُو بِسِحْرٍ ولَكِنْ فِرَاسَةٌ صَادِقَةٌ رأَيْتُ سُوْءَ حَالِهِ، فَوجَّهْتُ إليهِ بِطعَامٍ يرْغَبُ أكْلَهُ الشَّبْعَانُ فمَا هَشَّ لَهُ وَلا فَرِحَ وَلا مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ فَأَحْضَرْتُه فَتَلَقَّاني بِقُوَّةِ جَأْشٍ فَلَمَّا رَأيتُ رَثَاثَة حَالِهِ وَقُوَّةَ جَأْشِهِ عَلِمْتُ أنّه صَاحِبُ خَبَرٍ فَكَانَ كَمَا قَالَ.
وَرَأَى يَوْماً حَمَّالاً يَحْمِل صَنّاً – أيْ صُندُوقاً مِنْ خَشَبٍ – وَالحَمَّالُ تَضطرِبُ رجْلاهُ تَحْتَهُ فَقَالَ لَوْ كَانَ هَذا الاضطِرَابُ مِن الثَّقلِ لغَاصَتْ عُنُقُ الحَمَّالِ وَهَذِهِ عُنُقُهُ أُرَاهَا بَارِزَةً وَما أرَى الأَمْرَ إلاَّ مِنْ خَوْفٍ.
فَأَمَرَ بحَطَّ الصَّنَّ فَإذَا فِيْهِ أُنْثَى مَقْتُولَةٌ وَقَدْ قُطّعَتْ فقالَ لِلحَمَّالِ اصْدُقْنِيْ عَنْ حاَلِهَا فَقَالَ هُنَاكَ في الدَّارِ الفُلانِيَّةِ أَرْبَعَةُ نَفَر أَعْطَونِيْ هَذهِ الدَّنانِيرَ وَأَمَرُونِي بحَمْلِ هَذِهِ المَقْتُولَةِ فَضَرَبَهُ لأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ رَأْساً وَأمَرَ بِقَتْلِ الأرْبَعَةِ.
وَكَانَ يَتَنَكَّرُ- أَيْ يُغَيَّرُ لِبْسَتهُ وَهَيْئَتَهُ- وَيَدُوْرُ وَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ أَئِمَّةَ المسَاجِدِ فَدَعَا ثِقَةً وَقَالَ خُذْ هَذِه الدَّنَانِيْرَ وَأَعْطِهَا إمَامَ المَسْجِدِ الفُلاَنِيَّ فَإنَّهُ فَقِيرٌ مَشْغُولُ القَلْبِ فَفَعلَ وَجَلَسَ مَعَ إمَامَ المَسْجِدِ وَبَاسَطهُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ زَوْجَتَهُ قَدْ أَخَذَهَا الطَّلْقُ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يَحْتَاجُ إليهِ فَأخبرهُ فَقَالَ: صَدَقَ عَرَفْتُ شُغْلَ قَلِبهِ بِكَثْرةِ غَلَطِهِ في القراءة.
وكَانَ يَرْكَبُ وحدهُ وَيَطُوفُ ليلاً ونهاراً يُفَتَّشُ ويتفقدُ الرَّعيةَ إلى أنْ مَرَّ يوماً في سُوْقٍ مَسْدُودٍ في بَعْضِ أطرافِ البَلَدِ فَدَخَله فَوَجَدَ مُنْكراً ووَجَدَهُ لا يَنْفُذُ فَرَآى عَلى أحَدِ أَبْوَابِهِ شَوْك سَمَكٍ كَثيرٍ وعِظَام الصُّلبِ.
فَقَالَ لِشَخْصِ: كَمْ يُقَوَّمُ تَقْدِيُر ثمَنَ هَذَا السَّمَكِ الذِيْ هَذِهِ عِظَامُهُ؟ قَالَ:
دِينارٌ قَالَ أَهْلُ هَذَا الزُقَاقِ – أي السُّوقِ لا تَحْتَمِلُ أَحْوَالُهُمْ مُشْتَرَى مِثْلِ هَذا لأَنَّهُ زُقاقٌ بَيّنُ الاختِلالِ إلى جَانِبِ الصَّحْراءِ لا يَنْزِلُهُ مَنْ مَعَه شَئٌ يَخَافُ عَليهِ أَوْ لَهُ مَالٌ يُنْفِقُ مِنْهُ هذِه النَّفَقَة وَمَا هِي إلاّ بَليَّةٌ يَنْبَغِيْ أنْ يُكْشَفَ عَنْهَا فَاسْتَبعَدَ الرَّجُلُ هَذا وقَالَ هَذا فِكْرٌ بَعِيدٌ.
فَقَالَ: اطْلَبُوُا لِي امْرأةً مِنْ الدَّربِ أُكَلَّمُهَا فَدَقَّ بَاباً غَيْرَ الذي عليهِ الشوكُ وَطَلَبَ مَاء فَخَرجَت عَجُوزٌ ضعيفةٌ فما زالَ يَطْلُبُ شَرْبَةً بَعْدَ شَرْبَةٍ وَهِيَ تَسْقِيهِ وَهُوَ في خِلالِ ذَلِكَ يَسْأَلُ عَن الدَّرْبِ وَأهْلِهِ وَهِي تُخِبرُهُ غَيْرَ عَارِفَةٍ بِعَوَاقِبِ ذَلكَ.
إلى أنْ قَالَ لَها: وَهَذهِ الداُر مَنْ يَسْكُنُهَا؟ وَأشَارَ إلَى التي عِنْدَ بابِها عِظامُ السَّمَكِ فقالَتْ فِيها خَمْسَةُ شَبَابٌ أعفَارٌ كأَنَّهُم تُجَّارٌ وَقَدْ نَزَلُوا مُنْذُ شَهرٍ لاَ نَراهُمْ نَهَاراً إلا فِي مُدّةً طَويلةٍ وَنَري الواحِدَ مِنْهُم يَخرُجُ لِلحَاجَةِ ويعُودُ سَريعاً.
وَهُمْ في طُوْلِ النَّهَارِ يَجْتَمِعُونَ فَيأكُلونَ وَيشْرَبُونَ وَيَلْعَبُونَ بِالشَّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ وَلَهُم صَبِيٌّ يَخْدِمَهُم فإذَا كَانَ اللَّيلُ انْصَرفُوا إلى دَارٍِ لَهُم بالكَرْخِ وَيَدَعُوْنَ الصَّبِيَّ في الدَّارِ يَحْفَظُهَا فَإذَا كَانَ سَحَراً جَاؤا وَنَحْن نِيَامٌ لا نَشْعُرُ بِهِم.
فَقَالَ لِلرَّجُلِ هَذِهِ صِفَةُ لُصُوصٍ أَمْ لاَ قَالَ: بَلَى. فَأَنْفَذَ في الحَالِ فَاسْتَدْعَى عَشَرةً مِنْ الشُّرطِ وَأدْخَلَهُم إلى سَطْحِ الجِيْرَانِ وَدَقَّ هو البَابَ فَجَاءَ الصَّبِيَ فَفَتَحَ فَدَخَلَ الشُّرطُ مَعَهُ فَمَا فَاتَهُ مِن القَومِ أحَدٌ فَكانُوا هُمْ أصْحَابُ الخِيَانَةِ بِعَينهِمْ.
وَمِنْ ذَلِكَ أنَّ بَعْضَ الوُلاَةِ سَمعَ في بَعْضِ لَيالِىْ الشَّتَاءِ صَوْتاً بِدَارٍ يَطْلُبُ مَاءً بَارِداً فَأمَرَ بِكَبْسِ الدَّارِ فَأخْرَجُوا رَجُلاً وَامْرَأةً فَقِيْلَ لهُ مِنْ أيْنَ عَلِمْتَ قَالَ الماءُ لا يُبَرَّدُ في الشّتَاءِ إنَّمَا ذَلِكَ عَلامَةٌ بينَ هَذيْنِ.
وَأَحْضَرَ بَعْضُ الوُلاةِ شَخْصَيْن مُتَّهَمَيْنِ بِسَرِقَةٍ فَأَمَرَ أَنْ يُؤْتَى بكُوزٍ مِنْ مَاءٍ فَأَخَذَهُ وَأَلقَاهُ في الأرضِ عَمْدَاً فانْكَسَر فَارْتاعَ أحَدُهُمَا وَثَبَتَ الآخِرُ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَقَالَ للذِيْ انْزَعَجَ اذهَبْ وَقَالَ للآخَرِ أَحْضِرْ العُمْلَةَ.
فَقاَلَ لَهُ مِنْ أَيْنَ عَرَفتَ ذَلِكَ فَقَالَ اللصُّ قَويُ القَلبِ لا يَنْزَعِجُ وَالبَريءُ يُرَي أنّهُ لوْ نَزَلَتْ فِيْ البَيْتِ فَأْرَهُ لأزْعَجَتْه وَمَنَعَتُه مِنَ السَّرِقَةِ.
يَا نَفْسُ قَدْ طَابَ في امْهَالِكِ العَمَلُ ** فاسْتدْرِكِي قَبْلَ أنْ يَدْنُو لَكِ الأَجَلُ

إلى مَتَى أنْتِ في لَهْوٍ وفي لَعِبٍ ** يَغُرُّكِ الخَادِعَانِ الحِرْصُ وَالأمَلُ

وَ أنتِ في سُكر لَهْوٍ لَيْسَ يَدْفَعُهُ ** عَنْ قَلْبِكِ النَّاصِحَانِ العُتْبُ وَالْعَذَلُ

فَزَوَّدِيْ لِطَرِيْقٍ أَنْتِ سَالِكه ** فِيْهَا فَعَمَّا قليْلٌ يَأْتِكَ المَثَلُ

وَلا يَغُرُّكِ أيَامُ الشَّبَابِ فَفِي ** أَعْقَابِهَا المُوبِقَانِ الشَّيْبُ وَالأَجَلُ

يَا نَفْسُ تُوْبِيْ مِنْ العِصْيَانِ واجْتَهِدي ** وَلا يَغُرَّنَّكِ الأبْعَادُ وَالمللُ

ثُمَّ احْذَرِيْ مَوْقِفَاً صَعباً لِشِدَّتِهِ ** يَغْشَى الوَرَى المُتْلِِفَانِ الحُزْنُ وَالوَجَلُ

وَيَخْتَمُ الفَمُ وَالأَعْضَاءُ نَاطِقَةٌ ** وَيَظْهَرُ المُفْصِحَانِ الخَطُّ وَالخَطَلُ

وَيَحْكُمُ اللهُ بَيْنَ الخَلْقِ مَعْدِلَةً ** فتُذْكَرُ الحَالتَانِ البِرُّ وَالزَّلَلُ

اللهُمَّ قَوَّ، إيْمَانَنَا بِكَ وبِمَلائِكَتِكَ وَبِكُتُبِكَ وَبِرُسُلِكَ وَباليَوْمِ الآخِرِ وَبالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِهِ رَبَّنَا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الأخرة حسنةً وقنا عذابَ النّارِ، رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوَبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ وصَلَّى اللهُ على مُحمدٍ وَآلِهِ وَصَحبِه وَسَلَّمَ.